ابن الانبار2010
07-06-2008, 01:07 AM
كانت الاعتداءات على المساجد بعد تفجير قبة الإمام الهادي ، وما تم رصده إعلاميا من شعارات على جدرانها ، وتغيير لأسماء البعض منها ، وما تم الإعلان عنه عبر مكبرات الصوت للمساجد المحتلة ، وما يطلقه المهاجمون من إساءات وكلمات نابية ضد من أسموهم بالوهابيين والتكفيريين والصداميين والمروانيين والسفيانيين والنواصب ، وكذلك ضد صحابة رسول الله محمد (ص) ، والملابس التي يرتدونها ، والرايات التي علت قباب المساجد ومآذنها كلها تشير إلى فرضية قيام عناصر جيش المهدي بتنفيذ الاعتداءات على المساجد ، أو إلى عناصر تتنكر بلباسهم ، وهذه الفرضية أقنعت الذين في الواجهات السياسية والدينية للعرب السنّة فقط ، وهو أمر خطير ، إذ أن من يحدد مستقبل العنف هو المواطن وليس الواجهات ، وهذا المواطن مقتنع تماما بان عناصر جيش المهدي هم من نفذ بالشراكة مع آخرين ومساندتهم ، وعليه تولدت لديه قناعات ليس بالأمر اليسير زحزحتها ، ولكن قد يكون للإعلام المتزن ولائمة المساجد السنية والشيعية تأثير ايجابي في تبديد تلك القناعات إن اخلصوا في حرصهم على العراق وعلى وحدة شعبه ، وصدقوا في دعواتهم لحقن دماء ابنائه ، وفي ذات اتجاه التهدئة تندرج إعلانات مكاتب السيد الصدر عن براءتها من هذه الأفعال ، ودعوتها لعناصر جيش المهدي بالتخلي عن زيهم الذي يميزهم عن غيرهم ، وفي المقابل كانت عدسات الإعلام وشهادات الشهود ، تحاول التأكيد على ضلوع جيش المهدي في الاعتداءات بحماية من مغاوير الداخلية أو بالاشتراك معها.
في كل الأحوال لا يمكن إقناع الرأي العام العراقي بادعاءات حكومية تتهم اطرافا لا علاقة لهم بها أو بقواتها هم الذين نفذوا الاعتداءات على مساجد العرب السنة كرد فعل انتقامي على الاعتداء الذي طال قبة الامام الهادي ، رغم ان الاعتداءات على المساجد ارتكبت خلال ساعات حظر التجول الذي يقيد حركة الجميع باستثناء قوات الاحتلال والقوات الحكومية اللتان لم تشتبكا مع أية مجموعة مسلحة أو أفرادا من منفذي الهجمات رغم وجود اكثر من ستمئة مفرزة تابعة للقوات الحكومية تنتشر في شوارع بغداد وساحاتها ، لهذا ولغيره فان هناك فرصة أمام مكاتب السيد الصدر عليها اغتنامها وتبرئة نفسها كخطوة قادرة على خلق قناعات مغايرة ، وذلك بالإعلان صراحة ، وتسمية الجهات التي اعتدت على ثلاث مساجد للعرب السنّة ( القدس ، الشهيد ، الأبرار ) في مدينة الصدر معقل جيش المهدي والواقعة تحت سيطرته إلى حد ما.
قد تكون هذه الصورة لا تعبر عن كامل الحقيقة لما جرى على الأرض ، خاصة وان جميع الأطراف لم تشر إلى المخابرات البريطانية والأمريكية والإيرانية والصهيونية وغيرها من المخابرات العربية والإقليمية ، لذلك فانه من الصعوبة بمكان تغيير قناعات المواطنين من المكون الذي يرى نفسه مستهدفا من قوات الاحتلال والأجهزة الأمنية العراقية ومن الكتائب المسلحة شبه الرسمية أيضا عبر صدور دعوات مشتركة للتهدئة وتجنب الاقتتال الأهلي ، وحتى إعلان الحزب الإسلامي العراقي على لسان أمينه العام ( بتزكية ) التيار الصدري مما جرى ، لن ينظر إليه أكثر من مجرد خطاب إعلامي لأغراض الكسب السياسي ، وهو خطاب لا قيمة له على الأرض مع استمرار الاعتداءات بعد مضي أكثر من أسبوعين على تفجير قبة الإمام الهادي ، وقد يكون نسف بعض الأضرحة للعرب السنّة ، واحتلال مسجد سلمان الفارسي في المدائن ، ورفض المسلحون المتمترسون فيه دعوات الانسحاب منه إلا بأوامر من مرجعياتهم كما أعلنوا صراحة لوسائل الإعلام ، يؤكد ما تولد من قناعات آنفة ، وخاصة ما يتعلق بدور الأجهزة الأمنية لوزارة الداخلية.
تمكنت عناصر الكتائب المسلحة من إحكام سيطرتها على معظم أحياء بغداد بعد أربع ساعات من دعوة المرجع الأعلى أتباعه للخروج بمسيرات ( سلمية ) احتجاجية ، وهو ما أعطى دفعا معنويا يساهم في كسر حاجز التردد الذي سيطر على تفكير الشيعة العرب تاريخيا في عدم قدرتهم على استلام السلطة كجزء من ثقافة الإحساس بالمظلومية والاستهداف والإقصاء من الآخر ، وهي فرصة تم استغلالها لاستعراض القوة أمام العرب السنّة الذين ابدوا ردة فعل اقل من الدفاع عن النفس ، وجلّهم استقبلوا الموت وهم عزل ، وخاصة خلال فترة حظر التجول التي أطلقت يد قوات الداخلية والكتائب المسلحة دون غيرها ، واستعراض القوة هذا قد ينظر إليه العرب السنّة ، بأنه رسالة موجهة إليهم والى الإدارة الأمريكية معا ، وبأنه أشبه ما يكون بانقلاب شيعي على صلة بالمطالبة بتشكيل حكومة وحدة وطنية خارج الاستحقاقات الانتخابية ، وكذلك الاعتراض على إعادة ترشيح السيد الجعفري للحكومة المقبلة ، اضافة الى انها استبيان لقياس مدى ردة الفعل لما يمكن اعتباره العمق الاستراتيجي للعرب السنّة في دول الجوار والذي اثبت غيابه ، أو انه كان اعتبارا لا أساس له إلا في مخيلة العرب السنّة ، وهذا سجل مؤشرا جديدا يعطي قوة دفع لما تدبره إيران والمنفذين لسياساتها وتوجهاتها في العراق والمنطقة ، وقد يشهد المستقبل القريب شكلا من أشكال الهيمنة والنفوذ الرسمي الإيراني علنا.
بعد رفع حظر التجول ، شهدت بغداد وغيرها من المدن العراقية موجة من التفجيرات التي استهدفت المدنيين مباشرة في المناطق ذات الغالبية الشيعية ، وهو أمر خطير ينذر بمستقبل دموي لم يشهده العراق من قبل ، ويؤرخ لبدء الاقتتال الأهلي المعلن بين العراقيين.
تشكل حادثة تفجير قبة الإمام علي الهادي منعطفا في تاريخ الوحدة الوطنية ، ومحطة ساهمت في فرز الأوراق ، وفي حسم تخندق الأطراف العراقية مع بعضها تحالفا أو خصومة أو عداءا ، ومن بينها موقف الحكومة المنتهية ولايتها والتي اتهمت بالتواطؤ مع منفذي الاعتداءات ، وبعدم قيامها بواجبها في حماية بيوت المواطنين ومساجدهم ومراقد أئمتهم كمهمة وطنية عراقية يمليها عليها واجبها تجاه العراقيين جميعا ، مما استدعى قيام المواطنين بتشكيل مجاميع مسلحة تتولى توفير الحماية الذاتية للأحياء السكنية التي يعيشون فيها ، وتقوم بإطلاق النار على أية عجلة أو أفراد يرونهم غرباء يرومون الدخول إلى أحيائهم ، وقد حدثت عدة اشتباكات بينهم وبين دوريات حكومية.
إن عدم نزاهة الأجهزة الحكومية عموما ، كما ينظر إليها العرب السنّة ، استدعى قيام وزارة الدفاع بإنزال الدبابات لاول مرة إلى شوارع بغداد في محاولة منها للسيطرة على الوضع الداخلي ، ولكن خطوة كهذه بالتأكيد سوف لن تساهم في التهدئة والتقليل من العنف والعنف المضاد ، بل إن قادة هذه الدبابات سوف لن ينحازوا لعراقيتهم ، بل سيكون انحيازهم إلى طوائفهم حتما ، وهذا يعود إلى بناء الجيش على أسس المحاصصات الطائفية والعرقية لا على أسس المواطنة ، ويعود أيضا إلى الشرخ الذي يزداد اتساعا في بنية المجتمع العراقي الذي يشهد إعادة رسم خارطته السياسية بتحالفات جديدة تبنى هي الأخرى على ذات الأسس الطائفية والعرقية ، وقد تفضي هذه التحالفات مستقبلا إلى دخول الأكراد إلى جانب العرب السنّة في حال وقوع اقتتال أهلي على أسس الانتماء المذهبي نتيجة غياب البعد الوطني عند العراقيين عموما ، واقتصار ولائهم للعرق أو المذهب أو الحزب أو العشيرة وغيرها ، خاصة إذا أدركنا بان العرب السنّة رغم تحفظهم على توقيت حسم موضوع الفيدرالية الكردية ، إلا أنهم يعتبرون الأقل اعتراضا على الطموحات الكردية ، لأسباب يرونها موضوعية على صلة بالأمر الواقع الذي فرضته حرب الخليج الثانية ، ومعلوم إن الموقف من الفيدرالية الكردية هو الذي يحدد مدى علاقة الأكراد مع المكونات الأخرى.
الطرفان المفترضان في الاقتتال الأهلي على ما يبدو ، كلاهما يقفز على واقع وجود فرق موت وعناصر منظمة تديرها المخابرات الأمريكية والبريطانية بدقة متناهية تضفي على عملياتها حصانة معلوماتية تخفي الفاعلين ومن ورائهم ، وهذه العناصر لها تاريخ معروف في السلفادور وكولمبيا وغواتيمالا وهندوراس وغيرها ، وهم يمارسون مهامهم في العراق الآن بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية العراقية ، وما يعزز هذا هو توقيت ظهور هذه الفرق الذي جاء بعد اقل من شهر على تشكيل الحكومة الانتقالية المنتهية ولايتها ، وقد تكون حادثة وفاة احد عشر شخصا خنقا في إحدى حاويات سيارات الشرطة التابعة لوزارة الداخلية في العاشر من تموز 2005 ، فيها من الدلالة ما يغني عن البحث عن أدلة أكثر لإدانة الأجهزة الأمنية ، ويمكن أن يكون ما كشفت عنه إحدى مداهمات قوات الاحتلال لسجن الجادرية دليلا آخرا يدين تلك الأجهزة بممارسة التعذيب حتى الموت والتمثيل بجثث المعتقلين من العرب السنّة دون أن تتخذ قوات الاحتلال ما يكفي من الإجراءات لوقف تلك الانتهاكات ، مما يضع قوات الاحتلال في موضع الإدانة بالعلم والشراكة والممارسة ، وهو ما يعيد إلى الأذهان فضائح التعذيب في سجن ابوغريب ، ودون الخوض في عشرات الأدلة الموثقة الأخرى ، فان ما كشفت عنه وسائل الإعلام الأمريكية من معلومات لم تأخذ مساحة تستحقها في الاعلام العربي ، حيث أثبتت العديد من التحقيقات إن بقايا حطام عدد كبير من السيارات المفخخة تحمل في هياكلها المدمرة أرقاما لسيارات تم الإبلاغ عن سرقتها مسبقا في أكثر من ولاية أمريكية ، والسؤال من سرق؟ ومن اوصلها إلى العراق وكيف؟ ومن فخخها ووضعها في الأسواق الشعبية لتثير اقتتالا أهليا بين العراقيين؟ ، ولماذا لم تشهد الانبار مثلا مثل هذه العمليات ؟ الإجابة ببساطة إن مثل هذه المدن تتميز بأنها من مكون واحد في غالبيتها ، وهذا التميز لا يخدم أغراضهم كما هو في المدن ذات التنوع المذهبي.
تهدف ممارسات فرق الموت إلى تعزيز الاستقطابات المذهبية للدفع باتجاه وقوع الاقتتال الأهلي وصولا إلى تقسيم العراق ، وقد قطعوا أشواطا مهمة في هذه السياسة ، وخاصة ما شهدته بعض المدن العراقية من عمليات تهجير تم التمهيد لها من قوى معروفة بارتباطاتها الإقليمية والأجنبية تهدف إلى تكريس العزل الطائفي ، وقد تمكنت تلك القوى من زرع بذرة الخوف في نفوس العوائل السنية القاطنة وسط أغلبية شيعية والعكس صحيح ، وقد تعرضت بعض هذه العوائل لمضايقات وتهديدات واعتقالات واغتيالات ، وترهيب من قبل تلك القوى ، وليس من المواطن العراقي غير المسيس السني أو الشيعي الذي لا دور له فيما يجري ، بل ليس هناك ما يؤكد وجود معطيات تبرر عمليات التهجير في الواقع ، على العكس مما يتم الترويج له عبر وسائل الإعلام العراقي الحكومية منها او التابعة للقوى الدينية والسياسية الطائفية.
سجلت الأعوام الثلاثة الماضية عشرات الحالات التي توثق إلقاء القبض على جنود أمريكان وبريطانيين يتنكرون بالزي العربي ، أثناء محاولاتهم زرع عبوات ناسفة في الأسواق المزدحمة بالمواطنين لإيقاع اكبر عدد من الضحايا من السنّة لاتهام الشيعة ، أو من الشيعة لاتهام السنّة بهدف الوصول إلى الاقتتال الداخلي بينهما ، وكان أخرها إلقاء الشرطة العراقية أوائل آذار 2006 القبض على ثلاثة بريطانيين متنكرين بالزي العربي التقليدي أثناء قيامهم بزرع عبوات ناسفة بالقرب من مقر الحزب الإسلامي في البصرة ، وقامت قوات بريطانية بالإفراج عنهم فور استلامهم من الشرطة العراقية ، وقبل هذه الحادثة بأيام اعتقلت شرطة تكريت شخص أمريكي متنكر بالزي العربي ، وقد ضبطت بحوزته أسلحة مختلفة ومتفجرات سرعان ما قامت قوات الاحتلال باستلامه من الشرطة العراقية التي لا يسمح لها باستجواب جنود الاحتلال.
إن على طرفي معادلة الاقتتال المفترض هيئات أو تنظيمات تتصدر الواجهة السياسية للعرب السنة كطرف معني لا علاقة له بالمقاومة العراقية التي نأت بنفسها عن هذه المعادلة بسبب كون عملياتها المسلحة هي ضد قوات الاحتلال ومسانديها ، يقابله طرف ثان تمثله المرجعيات الدينية للعرب الشيعة ، والأجهزة الأمنية لوزارة الداخلية المحسوبة على الطرف الشيعي ، والكتائب المسلحة لفيلق بدر وجيش المهدي وغيرهما من الكتائب المسلحة التابعة للحركات والاحزاب السياسية او الدينية الشيعية ، لهذا فان على طرفي معادلة الاقتتال الاهلي اخذ كل العوامل على الأرض بنظر الاعتبار ، وإلا فان كلا الطرفين متهم بتصعيد العنف المتبادل وصولا إلى اقتتال أهلي بينهما ، وكلاهما متهم وتدور حوله شبهات بأنه ينفذ سياسات لخدمة هذا الطرف الإقليمي أو الأجنبي أو ذاك.
يدخل في حسابات الفتنة أيضا ، العامل الإيراني الفاعل الأكبر في الساحة العراقية ، وبدرجة اقل عامل الدول العربية والإقليمية الأخرى ، كل هذه تعد من العوامل المهمة في وقوع الفتنة بشكلها المعلن ، وهي واقعة بشكل أو بآخر منذ وصول قائمة الائتلاف الى السلطة بانتخابات كانون ثاني 2005 ، إلا أنها ظلت محصورة بين الفصائل السياسية أكثر مما هي بين المواطنين ، على الرغم من أن الكثير من الحوادث تشير إلى حالات قتل مورست من قبل الأطراف المتناحرة على الهوية المذهبية ، يضاف إلى العامل الإيراني والعوامل الاخرى ، توفر أداة القتل لدى الجميع ، فالحكومة الانتقالية وما يلحق بها من كتائب مسلحة رسمية أو شبه رسمية تأتمر بأمرها تمتلك هذه الأداة ، وتنتهج سياسة القضاء على الإرهابيين والصداميين والتكفيريين والوهابيين والنواصب والمروانيين والسفيانيين أو غيرها من التسميات التي تطلق على العرب السنة دون تسميتهم بالاسم ، يقابلها مجاميع مسلحة خارج السلطة تربو على الأربعين مجموعة من مختلف الاتجاهات الفكرية تمتلك أيضا أداة القتل ، ومن هذه المجاميع من هي على أقصى اليمين تتبنى قتل الشيعة عموما ، ومنها على أقصى الشمال تستهدف قوات الاحتلال فقط ، وبينهما من يستهدف قوات الاحتلال والقوات الحكومية معا على اعتبار أنها أداة تنفيذ إرادة المحتل وجرائمه ، وهؤلاء هم الأغلبية وبينهم عراقيين و إسلاميين عرب يمتلكون أسلحة عمياء كالسيارات المفخخة والعبوات الناسفة وقذائف الهاون وغيرها ، وهذه الاسلحة العمياء ليست حكرا عليها ، بل تشترك فيها مع الجميع ، وقد تشهد الأسابيع القادمة التي ستعقب تشكيل الحكومة الجديدة تصعيدا غير مسبوق في العنف المتبادل ، مما ينذر بتطوره إلى مراحل لا سيطرة لأحد عليه ، خاصة مع تزايد احتمالات انتقال الحالة العراقية لتعم دولا عربية واقليمية اخرى.
إن على العراقيين أن يدركوا إن من دفعوا باتجاه إحداث شرخ في بنية المجتمع العراقي ، وتصعيد الأوضاع الأمنية وصولا إلى الاقتتال الأهلي ، هم ذاتهم المستفيدون من تقسيم العراق إلى دويلات ضعيفة تخدم الأهداف الحيوية لكل من إيران وإدارة مشروع الاحتلال معا ، وان تقسيم العراق لن يتم دون خلق شكل من اشكال الاقتتال العرقي او المذهبي تسيل فيه دماء العراقيين من كل مكوناتهم ، وهو ما يسوغ تدخل قوى عربية وإقليمية ودولية للفصل بين المكونات بحجة وقف نزيف الدم العراقي الذي لن يتم إلا بإقامة شكل من أشكال الفصل بين مكونات الشعب العراقي عن طريق اقامة فيدراليات على اسس عرقية او مذهبية حرصا على العراق كما سيدعون ، وقد تكون حالات التهجير المذهبي بين المدن العراقية ، بما فيها ما يجري ضد الفلسطينيين المقيمين بالعراق منذ 1948 ، الخطوة العملية الأخرى باتجاه المضي قدما في إقرار تقسيم العراق الى اربع او ست فيدراليات والتعامل مع العراق المقسم كأمر واقع مفروض لا فكاك منه.
08/03/2006
في كل الأحوال لا يمكن إقناع الرأي العام العراقي بادعاءات حكومية تتهم اطرافا لا علاقة لهم بها أو بقواتها هم الذين نفذوا الاعتداءات على مساجد العرب السنة كرد فعل انتقامي على الاعتداء الذي طال قبة الامام الهادي ، رغم ان الاعتداءات على المساجد ارتكبت خلال ساعات حظر التجول الذي يقيد حركة الجميع باستثناء قوات الاحتلال والقوات الحكومية اللتان لم تشتبكا مع أية مجموعة مسلحة أو أفرادا من منفذي الهجمات رغم وجود اكثر من ستمئة مفرزة تابعة للقوات الحكومية تنتشر في شوارع بغداد وساحاتها ، لهذا ولغيره فان هناك فرصة أمام مكاتب السيد الصدر عليها اغتنامها وتبرئة نفسها كخطوة قادرة على خلق قناعات مغايرة ، وذلك بالإعلان صراحة ، وتسمية الجهات التي اعتدت على ثلاث مساجد للعرب السنّة ( القدس ، الشهيد ، الأبرار ) في مدينة الصدر معقل جيش المهدي والواقعة تحت سيطرته إلى حد ما.
قد تكون هذه الصورة لا تعبر عن كامل الحقيقة لما جرى على الأرض ، خاصة وان جميع الأطراف لم تشر إلى المخابرات البريطانية والأمريكية والإيرانية والصهيونية وغيرها من المخابرات العربية والإقليمية ، لذلك فانه من الصعوبة بمكان تغيير قناعات المواطنين من المكون الذي يرى نفسه مستهدفا من قوات الاحتلال والأجهزة الأمنية العراقية ومن الكتائب المسلحة شبه الرسمية أيضا عبر صدور دعوات مشتركة للتهدئة وتجنب الاقتتال الأهلي ، وحتى إعلان الحزب الإسلامي العراقي على لسان أمينه العام ( بتزكية ) التيار الصدري مما جرى ، لن ينظر إليه أكثر من مجرد خطاب إعلامي لأغراض الكسب السياسي ، وهو خطاب لا قيمة له على الأرض مع استمرار الاعتداءات بعد مضي أكثر من أسبوعين على تفجير قبة الإمام الهادي ، وقد يكون نسف بعض الأضرحة للعرب السنّة ، واحتلال مسجد سلمان الفارسي في المدائن ، ورفض المسلحون المتمترسون فيه دعوات الانسحاب منه إلا بأوامر من مرجعياتهم كما أعلنوا صراحة لوسائل الإعلام ، يؤكد ما تولد من قناعات آنفة ، وخاصة ما يتعلق بدور الأجهزة الأمنية لوزارة الداخلية.
تمكنت عناصر الكتائب المسلحة من إحكام سيطرتها على معظم أحياء بغداد بعد أربع ساعات من دعوة المرجع الأعلى أتباعه للخروج بمسيرات ( سلمية ) احتجاجية ، وهو ما أعطى دفعا معنويا يساهم في كسر حاجز التردد الذي سيطر على تفكير الشيعة العرب تاريخيا في عدم قدرتهم على استلام السلطة كجزء من ثقافة الإحساس بالمظلومية والاستهداف والإقصاء من الآخر ، وهي فرصة تم استغلالها لاستعراض القوة أمام العرب السنّة الذين ابدوا ردة فعل اقل من الدفاع عن النفس ، وجلّهم استقبلوا الموت وهم عزل ، وخاصة خلال فترة حظر التجول التي أطلقت يد قوات الداخلية والكتائب المسلحة دون غيرها ، واستعراض القوة هذا قد ينظر إليه العرب السنّة ، بأنه رسالة موجهة إليهم والى الإدارة الأمريكية معا ، وبأنه أشبه ما يكون بانقلاب شيعي على صلة بالمطالبة بتشكيل حكومة وحدة وطنية خارج الاستحقاقات الانتخابية ، وكذلك الاعتراض على إعادة ترشيح السيد الجعفري للحكومة المقبلة ، اضافة الى انها استبيان لقياس مدى ردة الفعل لما يمكن اعتباره العمق الاستراتيجي للعرب السنّة في دول الجوار والذي اثبت غيابه ، أو انه كان اعتبارا لا أساس له إلا في مخيلة العرب السنّة ، وهذا سجل مؤشرا جديدا يعطي قوة دفع لما تدبره إيران والمنفذين لسياساتها وتوجهاتها في العراق والمنطقة ، وقد يشهد المستقبل القريب شكلا من أشكال الهيمنة والنفوذ الرسمي الإيراني علنا.
بعد رفع حظر التجول ، شهدت بغداد وغيرها من المدن العراقية موجة من التفجيرات التي استهدفت المدنيين مباشرة في المناطق ذات الغالبية الشيعية ، وهو أمر خطير ينذر بمستقبل دموي لم يشهده العراق من قبل ، ويؤرخ لبدء الاقتتال الأهلي المعلن بين العراقيين.
تشكل حادثة تفجير قبة الإمام علي الهادي منعطفا في تاريخ الوحدة الوطنية ، ومحطة ساهمت في فرز الأوراق ، وفي حسم تخندق الأطراف العراقية مع بعضها تحالفا أو خصومة أو عداءا ، ومن بينها موقف الحكومة المنتهية ولايتها والتي اتهمت بالتواطؤ مع منفذي الاعتداءات ، وبعدم قيامها بواجبها في حماية بيوت المواطنين ومساجدهم ومراقد أئمتهم كمهمة وطنية عراقية يمليها عليها واجبها تجاه العراقيين جميعا ، مما استدعى قيام المواطنين بتشكيل مجاميع مسلحة تتولى توفير الحماية الذاتية للأحياء السكنية التي يعيشون فيها ، وتقوم بإطلاق النار على أية عجلة أو أفراد يرونهم غرباء يرومون الدخول إلى أحيائهم ، وقد حدثت عدة اشتباكات بينهم وبين دوريات حكومية.
إن عدم نزاهة الأجهزة الحكومية عموما ، كما ينظر إليها العرب السنّة ، استدعى قيام وزارة الدفاع بإنزال الدبابات لاول مرة إلى شوارع بغداد في محاولة منها للسيطرة على الوضع الداخلي ، ولكن خطوة كهذه بالتأكيد سوف لن تساهم في التهدئة والتقليل من العنف والعنف المضاد ، بل إن قادة هذه الدبابات سوف لن ينحازوا لعراقيتهم ، بل سيكون انحيازهم إلى طوائفهم حتما ، وهذا يعود إلى بناء الجيش على أسس المحاصصات الطائفية والعرقية لا على أسس المواطنة ، ويعود أيضا إلى الشرخ الذي يزداد اتساعا في بنية المجتمع العراقي الذي يشهد إعادة رسم خارطته السياسية بتحالفات جديدة تبنى هي الأخرى على ذات الأسس الطائفية والعرقية ، وقد تفضي هذه التحالفات مستقبلا إلى دخول الأكراد إلى جانب العرب السنّة في حال وقوع اقتتال أهلي على أسس الانتماء المذهبي نتيجة غياب البعد الوطني عند العراقيين عموما ، واقتصار ولائهم للعرق أو المذهب أو الحزب أو العشيرة وغيرها ، خاصة إذا أدركنا بان العرب السنّة رغم تحفظهم على توقيت حسم موضوع الفيدرالية الكردية ، إلا أنهم يعتبرون الأقل اعتراضا على الطموحات الكردية ، لأسباب يرونها موضوعية على صلة بالأمر الواقع الذي فرضته حرب الخليج الثانية ، ومعلوم إن الموقف من الفيدرالية الكردية هو الذي يحدد مدى علاقة الأكراد مع المكونات الأخرى.
الطرفان المفترضان في الاقتتال الأهلي على ما يبدو ، كلاهما يقفز على واقع وجود فرق موت وعناصر منظمة تديرها المخابرات الأمريكية والبريطانية بدقة متناهية تضفي على عملياتها حصانة معلوماتية تخفي الفاعلين ومن ورائهم ، وهذه العناصر لها تاريخ معروف في السلفادور وكولمبيا وغواتيمالا وهندوراس وغيرها ، وهم يمارسون مهامهم في العراق الآن بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية العراقية ، وما يعزز هذا هو توقيت ظهور هذه الفرق الذي جاء بعد اقل من شهر على تشكيل الحكومة الانتقالية المنتهية ولايتها ، وقد تكون حادثة وفاة احد عشر شخصا خنقا في إحدى حاويات سيارات الشرطة التابعة لوزارة الداخلية في العاشر من تموز 2005 ، فيها من الدلالة ما يغني عن البحث عن أدلة أكثر لإدانة الأجهزة الأمنية ، ويمكن أن يكون ما كشفت عنه إحدى مداهمات قوات الاحتلال لسجن الجادرية دليلا آخرا يدين تلك الأجهزة بممارسة التعذيب حتى الموت والتمثيل بجثث المعتقلين من العرب السنّة دون أن تتخذ قوات الاحتلال ما يكفي من الإجراءات لوقف تلك الانتهاكات ، مما يضع قوات الاحتلال في موضع الإدانة بالعلم والشراكة والممارسة ، وهو ما يعيد إلى الأذهان فضائح التعذيب في سجن ابوغريب ، ودون الخوض في عشرات الأدلة الموثقة الأخرى ، فان ما كشفت عنه وسائل الإعلام الأمريكية من معلومات لم تأخذ مساحة تستحقها في الاعلام العربي ، حيث أثبتت العديد من التحقيقات إن بقايا حطام عدد كبير من السيارات المفخخة تحمل في هياكلها المدمرة أرقاما لسيارات تم الإبلاغ عن سرقتها مسبقا في أكثر من ولاية أمريكية ، والسؤال من سرق؟ ومن اوصلها إلى العراق وكيف؟ ومن فخخها ووضعها في الأسواق الشعبية لتثير اقتتالا أهليا بين العراقيين؟ ، ولماذا لم تشهد الانبار مثلا مثل هذه العمليات ؟ الإجابة ببساطة إن مثل هذه المدن تتميز بأنها من مكون واحد في غالبيتها ، وهذا التميز لا يخدم أغراضهم كما هو في المدن ذات التنوع المذهبي.
تهدف ممارسات فرق الموت إلى تعزيز الاستقطابات المذهبية للدفع باتجاه وقوع الاقتتال الأهلي وصولا إلى تقسيم العراق ، وقد قطعوا أشواطا مهمة في هذه السياسة ، وخاصة ما شهدته بعض المدن العراقية من عمليات تهجير تم التمهيد لها من قوى معروفة بارتباطاتها الإقليمية والأجنبية تهدف إلى تكريس العزل الطائفي ، وقد تمكنت تلك القوى من زرع بذرة الخوف في نفوس العوائل السنية القاطنة وسط أغلبية شيعية والعكس صحيح ، وقد تعرضت بعض هذه العوائل لمضايقات وتهديدات واعتقالات واغتيالات ، وترهيب من قبل تلك القوى ، وليس من المواطن العراقي غير المسيس السني أو الشيعي الذي لا دور له فيما يجري ، بل ليس هناك ما يؤكد وجود معطيات تبرر عمليات التهجير في الواقع ، على العكس مما يتم الترويج له عبر وسائل الإعلام العراقي الحكومية منها او التابعة للقوى الدينية والسياسية الطائفية.
سجلت الأعوام الثلاثة الماضية عشرات الحالات التي توثق إلقاء القبض على جنود أمريكان وبريطانيين يتنكرون بالزي العربي ، أثناء محاولاتهم زرع عبوات ناسفة في الأسواق المزدحمة بالمواطنين لإيقاع اكبر عدد من الضحايا من السنّة لاتهام الشيعة ، أو من الشيعة لاتهام السنّة بهدف الوصول إلى الاقتتال الداخلي بينهما ، وكان أخرها إلقاء الشرطة العراقية أوائل آذار 2006 القبض على ثلاثة بريطانيين متنكرين بالزي العربي التقليدي أثناء قيامهم بزرع عبوات ناسفة بالقرب من مقر الحزب الإسلامي في البصرة ، وقامت قوات بريطانية بالإفراج عنهم فور استلامهم من الشرطة العراقية ، وقبل هذه الحادثة بأيام اعتقلت شرطة تكريت شخص أمريكي متنكر بالزي العربي ، وقد ضبطت بحوزته أسلحة مختلفة ومتفجرات سرعان ما قامت قوات الاحتلال باستلامه من الشرطة العراقية التي لا يسمح لها باستجواب جنود الاحتلال.
إن على طرفي معادلة الاقتتال المفترض هيئات أو تنظيمات تتصدر الواجهة السياسية للعرب السنة كطرف معني لا علاقة له بالمقاومة العراقية التي نأت بنفسها عن هذه المعادلة بسبب كون عملياتها المسلحة هي ضد قوات الاحتلال ومسانديها ، يقابله طرف ثان تمثله المرجعيات الدينية للعرب الشيعة ، والأجهزة الأمنية لوزارة الداخلية المحسوبة على الطرف الشيعي ، والكتائب المسلحة لفيلق بدر وجيش المهدي وغيرهما من الكتائب المسلحة التابعة للحركات والاحزاب السياسية او الدينية الشيعية ، لهذا فان على طرفي معادلة الاقتتال الاهلي اخذ كل العوامل على الأرض بنظر الاعتبار ، وإلا فان كلا الطرفين متهم بتصعيد العنف المتبادل وصولا إلى اقتتال أهلي بينهما ، وكلاهما متهم وتدور حوله شبهات بأنه ينفذ سياسات لخدمة هذا الطرف الإقليمي أو الأجنبي أو ذاك.
يدخل في حسابات الفتنة أيضا ، العامل الإيراني الفاعل الأكبر في الساحة العراقية ، وبدرجة اقل عامل الدول العربية والإقليمية الأخرى ، كل هذه تعد من العوامل المهمة في وقوع الفتنة بشكلها المعلن ، وهي واقعة بشكل أو بآخر منذ وصول قائمة الائتلاف الى السلطة بانتخابات كانون ثاني 2005 ، إلا أنها ظلت محصورة بين الفصائل السياسية أكثر مما هي بين المواطنين ، على الرغم من أن الكثير من الحوادث تشير إلى حالات قتل مورست من قبل الأطراف المتناحرة على الهوية المذهبية ، يضاف إلى العامل الإيراني والعوامل الاخرى ، توفر أداة القتل لدى الجميع ، فالحكومة الانتقالية وما يلحق بها من كتائب مسلحة رسمية أو شبه رسمية تأتمر بأمرها تمتلك هذه الأداة ، وتنتهج سياسة القضاء على الإرهابيين والصداميين والتكفيريين والوهابيين والنواصب والمروانيين والسفيانيين أو غيرها من التسميات التي تطلق على العرب السنة دون تسميتهم بالاسم ، يقابلها مجاميع مسلحة خارج السلطة تربو على الأربعين مجموعة من مختلف الاتجاهات الفكرية تمتلك أيضا أداة القتل ، ومن هذه المجاميع من هي على أقصى اليمين تتبنى قتل الشيعة عموما ، ومنها على أقصى الشمال تستهدف قوات الاحتلال فقط ، وبينهما من يستهدف قوات الاحتلال والقوات الحكومية معا على اعتبار أنها أداة تنفيذ إرادة المحتل وجرائمه ، وهؤلاء هم الأغلبية وبينهم عراقيين و إسلاميين عرب يمتلكون أسلحة عمياء كالسيارات المفخخة والعبوات الناسفة وقذائف الهاون وغيرها ، وهذه الاسلحة العمياء ليست حكرا عليها ، بل تشترك فيها مع الجميع ، وقد تشهد الأسابيع القادمة التي ستعقب تشكيل الحكومة الجديدة تصعيدا غير مسبوق في العنف المتبادل ، مما ينذر بتطوره إلى مراحل لا سيطرة لأحد عليه ، خاصة مع تزايد احتمالات انتقال الحالة العراقية لتعم دولا عربية واقليمية اخرى.
إن على العراقيين أن يدركوا إن من دفعوا باتجاه إحداث شرخ في بنية المجتمع العراقي ، وتصعيد الأوضاع الأمنية وصولا إلى الاقتتال الأهلي ، هم ذاتهم المستفيدون من تقسيم العراق إلى دويلات ضعيفة تخدم الأهداف الحيوية لكل من إيران وإدارة مشروع الاحتلال معا ، وان تقسيم العراق لن يتم دون خلق شكل من اشكال الاقتتال العرقي او المذهبي تسيل فيه دماء العراقيين من كل مكوناتهم ، وهو ما يسوغ تدخل قوى عربية وإقليمية ودولية للفصل بين المكونات بحجة وقف نزيف الدم العراقي الذي لن يتم إلا بإقامة شكل من أشكال الفصل بين مكونات الشعب العراقي عن طريق اقامة فيدراليات على اسس عرقية او مذهبية حرصا على العراق كما سيدعون ، وقد تكون حالات التهجير المذهبي بين المدن العراقية ، بما فيها ما يجري ضد الفلسطينيين المقيمين بالعراق منذ 1948 ، الخطوة العملية الأخرى باتجاه المضي قدما في إقرار تقسيم العراق الى اربع او ست فيدراليات والتعامل مع العراق المقسم كأمر واقع مفروض لا فكاك منه.
08/03/2006